الاثنين، 9 يوليو 2018

ما لا يقتلكك يقويك

 ما لا يقتلكك يقويك


هذا القول أعلاه لم أجد له مصدرا - حسب بحثي- إلا أنها جملة كتبها "نيتشه" الألماني 
صاحب نظرية السوبرمان، والذي قد يكون من أكثر المفكرين الذين تعرضوا لمحنٍ في حياته، إلا أنه للأسف تهاوى ضعيفًا أمامها حتى أنهته. فلم يكن سوبرمانا كما بشّر، ولا قويا أمام الصعاب كما وعظ.

وعلى طاري السوبرمان، على أيامي كانت تأتينا نادرا المجلات الأمريكية التي تصور بالرسوم قصصا متتابعة لأبطال جبابرة، مثل سوبرمان والوطواط ورجل البرق وبطل أميركا والرجل العنكبوت. وكنت متولعًا بها حتى الإدمان لا أطيق أن يفوتني عددٌ واحدٌ منها، فأراني أجمع مصروفي المدرسي- وكان بخسًا وقتها- وأحرم نفسي، كي أجري وأشتري كل عدد يصل منها.

كان بطلي الأول سوبرمان، وكانت له شخصية سرية اسمها بالنسخة الإنجليزية كلارك كنت، وبالنسخة العربية التي كانت تترجم وتطبع في لبنان اسمه نبيل فوزي. فكان اللبنانيون المترجمون يستخدمون ليس فقط الأسماءَ العربية بل حتى المدن اللبنانية التي تقع بها أحداث وقصص الأبطال الجبابرة.

الدرس الذي انتبهت له كثيرا لما كبرت؛ أن تلك القصصَ ومنها سوبرمان قد وعّتني على "أن ما لا يقتلك يقويك"، وإن كان مقاربًا للقول العربي "تأتي المنحُ من بطن المنح"؛ إلا أن في القول الأول أمر مهم، وهو أن ما تعتقد أنه مميت أو يلوح بالموت متى قدر الله لك منه النجاة فأنت ستخرج قويا وأحيانا منيعا ضد مرض بعينة أو تجربة على حافة الموت. ومن هنا جاءت الفكرة التي أنقذت الإنسانية، حيث لاحظ العلماءُ أن من نجوا من أمراضٍ مميتةٍ لم يعد يأتهم المرض حين تهب العدوى من جديد
فجاء اختراع المصل (التطعيم) الذي أنقذ ملايين الملايين.


سوبرمان تعرض وهو صغير لأكبر فاجعةٍ حيث انفجر كوكبه البعيد (كريبتون) وقُتل كل سكانِه ومنهم أبواه. إلا أنه أباه العالم الأكبر بكوكبه نجح بإرساله حيًّا لصاروخ إلى الأرض، وأدت عناصرُ الأرض لأن يكون بطلًا خارقًا بإمكانه أن يقف ضد أعتى قوى الشر التي تهدد الأرض لوحده.. اي أن "ما لم يقتله قوّاه".


وحينما نمر بأعتى مما نتهول منه من الصعاب أفرادًا أو مجتمعاتٍ أو دولًا، ونخرج من أي مأزق منها مهما تعاظم.. لن نسمح له بعون رب العالمين أن يحدث لنا مرة أخرى لأننا اكتسبنا المناعة ضده.. والقوة.

نجيب الزامل

الثلاثاء، 6 مارس 2018

لم أُصَبْ بالصمم.. ولكن فقدت سمعي


        لم أُصَبْ بالصمم.. ولكن فقدت سمعي


قبل عشرة أيام وقد كنت قد فرغت من كتابة وسم فجريات في حسابي بالتوتر، فوجئت أن بصيصا من النور بدأ يدخل عبر ستارة النافذة، وتعجبت أن آذان للفجر قد تأخر.


الحقيقة أن آذان الفجر لم يتأخر، ولكن أنا الذي لم أسمع المؤذن وهو يؤذن

ثم أني، فضولاً، أشعلت جهاز التلفزيون حيث لاحظت أن سكونًا مريبًا يلف المكان. على أن الصوت جاء من جهاز التلفزيون خافتا، ولما لجأت لجهاز التحكم لزبادة الصوت لاحظت إن إشارة الصوت التي تبدو على الشاشة تشير إلى أن الصوتَ عالٍ أصلا.. أصابني الفزع، ما عدا أني مازلت في حالة إنكار بأن الخلل من جهازي السمعي، وليس لأن العالم قرر أن يصمت فجأة.


واكتشفت في البيت أني أرى الشفاه تتحرك وبالكاد أسمع صوتا، وهنا بدأت أمطرهم بقذائف متتالية من الأسئلة حتى أني شعرت أني أثقل عليهم..

 هنا تأكدت مرتاعًا أن جزءًا كبيرًا من قدراتي السمعية قد اختفت


وكنت قد أصابتني نوبة برد مع التهاب بالصدر صاحبها قلة السمع، فألغيت كل ارتباطاتي، وكان اسبوعا مليئا بالارتباطات المهمة، بعضها كمتحدث أو مشارك، فقد كان، بتصوري، محرجا لي أن أصرخ على الناس أو أطلب منهم أن يصرخوا علي، فلزمتُ بيتي وطبقت ما وصف به المعرّي نفسه بأنه رهين المحبسين

إلا أن طبيبي الدكتور مساعد الزهراني، المختص بالاذن والأنف والحنجرة، طمأنني بأن حالتي نوع من الوهن المؤقت في القنوات السمعية الداخلية من فعل تلك الاضطرابات الرئوية


وإني الآن ألوم نفسي لوما شديدا لما اتصل بي رئيس جمعية الصم، عن طريق مترجم فاضل، لتحديد موعد للقاء بهم في جمعية الصم، وتعثر علي أن أجد وقتا قريبا للزيارة، وأود الآن أن أطير اليهم بصاروخ.. فهذا هو الوقت الأنسب، خصوصا وأن هذا يتيح لي الخروج من محبسي الذي فرضته على نفسي، لأكون مشاركا لهم واقعيا وحسيا ووجدانيا في مسألة الصمم.


على أني أختلف عن من بهم صمم، فشبه الصمم هذا المؤقت الذي أصبت به أعاقني، بينما هم لم يعقهم الصمم اللازم الكامل، بل جعلوا ذلك منصة لهم للتعويض والتفوق والنجاح.


تعلمت من حالتي بقلة السمع أن الأصوات أحيانا تلوث صفاء الفكر، وعرفت لماذا خرجت العبقرية من بيتهوفن ومن أديسون ومن مصطفى صادق الرافعي وذلك لأن بهم صمم، أو سمع ثقيل أقرب للصمم.

إن الهدوء المحيط يجعلك تغوص بداخلك فتكون أنت العالم، وتسوح في محيط خلقك الإعجازي في عقلك وقلبك وفي جوهر وجودك، وتختلي بنفسك عن العالم فتعرف قيمة هذه النفس وجوهرها.. فلا تسلمها لأحد ليقودها أو يعبث بها.


لماذا يسعى الناس من القدم للانقطاع للتنسك والتأمل لتلمّس الحكمة في الابتعاد عن أماكن بعيدة عن الناس وضجيجهم؟ ذلك ليتسنى لهم عبر انقطاعهم وتأملاتهم استلام وميض الإلهام الذي سيحمًلهم رسالةً لهم وللعالم.


تعلمت، بالدرس الواقع، أن لا نقمة على الأرض.. بل هي ظروف أما أن نقبلها حبسًا ونقَمة، أو نغتنمها فرصةً.. إنعتاقًا وهمّة.

نجيب الزامل

الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

وغداً يوم آخر

      

      وغداً يوم آخر



في هذا الشهر ديسمبر هو شهر مهم للتطوع والمتطوعين، فاليوم الخامس من ديسمبر تم اعتباره أمميًا يومًا للتطوع العالمي، على أن هذا اليوم تمدد على كامل الشهر تقريبا لتعذر جمع كل للمناسبات والفعاليات التطوعية في يوم واحد خصوصا بمنطقة واحدة.



منذ الأول من هذا الشهر ديسمبر الجاري وانا أتنقل بعدة مناطق بالمملكة لحضور أو المشاركة في فعاليات تطوعية، وبما أن المنشآت التجارية تظهر نتائجها في نهاية ديسمبر، تحرص أيضا الجمعيات الاجتماعية وغيرها بإخراج حصاد سنتها من المشاريع والمبادرات والانجازات.



وسجلت في حسابي بالتوتر زياراتي اليومية ومشاركاتي تحت وسم يوم حافل.. ثم تنتهي التغريدة بعد سرد البرنامج اليومي بهذه الجملة (وغدا يوم آخر).



من أهم المناسبات تكريس سمو أمير الشرقية سعود بن نايف اثنينية الرابع من ديسمبر لاستقبال ابنائه من متطوعي المنطقة الشرقية، وكانت مناسبة نشرت الفرح بالأجواء وبقلوب المتطوعين الذين حرص سمو الأمير على السلام والتعرف عليهم واحدًا واحدًا وهم كثيرون بارك الله بهم.



كما استقبل سمو الأمير أحمد بن فهد في الخامس من ديسمبر، يوم الأمس، عاملين في جمعية العمل التطوعي وشرفهم بأن يكونوا مرجعًا للعمل التطوعي بالمنطقة.. ولم يأت هذا إلا بعد عدة اجتماعات واستفسارات من سموه للتعرف على فلسفة العمل بالجمعية وانجازاتها.



لفتني أيضا منذ اكثر من عامين النشاط التطوعي الواضح في كلية الأسنان بجامعة الامام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام، ولما شاركتهم في يوم الأمس صار لقاء جميل مع الطلبة والطالبات ورأيت مشاريعهم في توعية وعلاج الأسنان حتى لفئات من المجتمع كالصم وذوي الإعاقة، وطرق ذكية لتوعية الحفاظ على الأسنان عند الأطفال. في الكلية حماسة متواصلة لإنماء العمل التطوعي عاما بعد عام، وأراهم منجما لمتطوعات ومتطوعين من الأطباء والطلبة.. ومن يدري ربما بفضل الله ثم بجهودهم يأتي يوم تقفل به عيادات الأسنان، بدون زعل من أصحاب العيادات!



ثم أمر آخر له أهمية خاصة وهو جائزة العمل التطوعي لموظفي شركة أرامكو.. هذه الجائزة تحتاج مقالا مفصلا بمفردها.


هذا.. وغدًا يوم آخر.



نجيب الزامل

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

كيف ترى الدنيا.. تراك

                كيف ترى الدنيا.. تراك


القصة أرويها لكم هي قصة حكاها لي صديق، رجل الأعمال الناجح.

صديقي هذا ولد بحواسه مكتملة ثم أصابه مرضٌ وفقد سمعه. وأحكي لكم قصة الصديق هذا لأنه يصر على أن تـُكتب وتقرأ، ليس لشهرة يبتغيها فهو ليس بحاجة إليها، ولكن كعبرةٍ عملية للجميع.


يقول أنه كان له ابن عم مثقف وأصم من طفولته الباكرة، ورغم ثقافته وذكائه كان يحمل نظرة داكنة لمجتمعه المحيط ويعد نفسه معاقًا. زار ابن العم الأصم صديقي بعد أن وقعت له الإعاقة السمعية ودس في جيبه ورقة. 


لما قرأ صاحبي الورقة التي دسها ابن عمه بجيبه وجدها تقول: " ها أنت دخلت يا بن عمي عالمنا المعزول، حيث منبه الساعة يطلق الضوء لا الصوت، وحيث الهاتف بالنور أو بالهز، وحيث تبدو وكأن بينك وبين الناس حائطا زجاجيا سميكا لا تسمعهم، ولا هم ينتبهون لما تحاول أن تعبر عنه. 


عالمنا حيث نبدو كالمهرجين ونحن نعبر عن الغضب أو الابتسام بمط الشفاه وتوسيع العيون وتقطيب عضلات الوجه، عالمٌ وأنت صامت تبدو على وجهك ملامح البلَه والذهول".. وتستمر الورقة على هذا المنوال.


والذي صار أن صديقي نجح وصار صاحب صناعة مهمة، وهو يقول إن رسالة ابن عمه تلك كانت له دافعا وليست مجلبا للغم والاستسلام. 


ثم أخذني من يدي وأراني شهاداته الأكاديمية الهندسية، وجدارا مملوءا بالشهادات الفخرية والإنجازية.. ثم لوح بيده بالهواء وكأنه يمسح كل تلك الشهادات وكأنها ليست هي المهمة، وأشار إلى إطار يكاد أن يكون معزولا بحاله، ورفع إبهامه مؤشرا وقائلا: هذه هي "الشهادة الأهم".. وكان في وسط الإطار ورقة دفتر مدرسي قديم. هي تلك الورقة التي دسها ابن عمه في جيبه! 


لقد كانت تلك الرسالة التشاؤمية إنذارا لصديقي ألاّ يتشاءم أبدا فيكون مصيره كما وصف ابن عمه.. وكانت حافزه الأكبر للتفوق.